مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

للبحر طريقان..


ثمةُ من يرحلون، لكنهم يتركون أبوابًا لا تُغلق أبدًا.
وبعضُ الطرق لا تبدأ من الأرض، بل من إنسانٍ غاب.
للبحر طريقان؛ أحدهما يصل إلى الشاطئ، والآخر يصل إلى الماضي. وكلما وقفت أمامه، وجدت أن الطريق الثاني هو الأقرب. هناك، عند أول موجة، يعود الذين رحلوا، ويغدو الزمن أقل قسوة مما نظنه. وما البحر إلا كتاب لا يغلق صفحاته؛ كلما فتحته وجدت أبي واقفًا هناك، يبتسم، وكأنه لم يغادر يومًا. وكان أبي أكثر صفحاته التي لم أفرغ من قراءتها.
ولم أفهم في طفولتي لماذا كان أبي يحب البحر إلى هذا الحد. كنت أظنه يذهب ليصطاد، ثم أدركت بعد سنوات أنه كان يذهب ليعلمني شيئًا أكبر من الصيد..
ومن هناك بدأت رحلتي مع البحر... من بيتٍ قرب الشاطئ لا يبعد عن البحر إلا ثلاث دقائق، ومن أبٍ كان يرى في البحر مدرسةً لا تشبه سواها.
وكان صيدنا كثيرًا؛ فأحيانًا كنا نهدي منه إلى الجيران، الذين باتوا ينتظرونني بعد كل رحلة صيد. كم أنضجت أمي طواجن من صيدي وصيد أبي. وما تزال أمي تذكرني بذلك اليوم الذي لا أنساه في طفولتي.
دعاني أبي ليعلمني السباحة والغوص. لم يكن الشاطئ يبعد عن بيتنا إلا مسيرة قصيرة. وبينما كنا نسير عبر دربنا المؤدي إليه، فاجأني وأخذني إلى أبعد نقطة عن الساحل، بعد أن نأينا. قال لي:
- "للبحر أكثر من وجه يا يوسف."
- "لا تظن أن البحر هو ما تراه."
قال:
_ "هنا ستتعلم السباحة يا يوسف."
قلت:
_ "لكن هنا صخور صلبة، والعمق كبير."
ابتسم وقال:
_ "لذلك ستتعلم ما لا يتعلمه غيرك. أليس ذلك أفضل؟ هنا ستتعلم الخطر." 
ثم نظر إلى البحر طويلًا وقال:
_ "لا تظن أن للبحر طريقًا واحدًا يا يوسف.. سأعلمك كل شيء، ولن أبخل عليك بما علمني جدي، رحمه الله."
قالها بثقة، لكنني لمحت في عينيه شيئًا يشبه القلق، كأنه يخشى علي أكثر مما يخشى البحر، ثم أخفى ذلك بابتسامة أعرفها جيدًا.
وحين هممت أن أتراجع، قال أبي:
_ "إن خفت من البحر مرة، فلن تثق بنفسك بعدها."
ثم ترك يده عن كتفي لحظة، ولم يتركني وحدي. يومها ظننت أنه يعلمني كيف أطفو فوق الماء، ولم أدرك إلا بعد سنوات أنه كان يعلمني كيف أقف وحدي في الحياة.. كان يغضب أحيانًا.. لكنه كان كالبحر يصمت طويلًا.. يخفي خوفه رافضا أن يظهر ضعفه.
رأيت الأمواج تتهادى مرة، وتندفع مرة أخرى نحونا. وفي الشتاء كانت تتخطى الحاجز الصخري، كأنها تكنس بقايا الصيف والمصطافين، وتقتطع من الشاطئ في كل عام جزءًا جديدًا.
كنت أرى الأمواج تروسًا جبارة لا تتوقف أبدًا، تأخذ كل شيء معها. لكنني أحببتها، وصادقتها. علمني أبي كيف أتعامل معها، كما علمه جدي؛ أكسرها. أتخطاها. ومع الأيام صرت كأنني صخرة حية؛ تألفني الأمواج، ويعرفني البحر..
وأحيانًا كنا نصطاد. وسرعان ما علمني أبي كيف أحكم الشص. ومرارًا أمسكنا معًا بالأخطبوط. وما زلت أحتفظ إلى اليوم بالذراع الحديدية ذات النصل الحاد التي أهداني إياها أبي، بعدما صنع لنفسه أخرى.
كنا نتبادل صيد الأخطبوط برمحينا بين الصخور، بعد أن نغوص معًا. ومع الوقت صرت أكثر حنكة. وكان يفرح كثيرًا حين أسبقه غوصًا، فلا يدري بي إلا ونصل رمحي الطويل الحاد مغروس في قلب أخطبوط، وقد تهرأت أذرعه. ثم أقوم بتقطيع ما بقي منها على الشاطئ بسكين حاد.
كان أبي يضحك، فأضحك معه، فتختلط ضحكاتنا برائحة اليود النقية التي تملأ صدرينا، وتمتزج كلماتنا بأصوات الأمواج...
واليوم... كلما وقفت على ذلك الشاطئ، لا أبحث عن أخطبوط بين الصخور، ولا عن سمكة علقت بشص قديم. أبحث عن ذلك الصوت الذي كان يسبق الموج، وعن تلك اليد التي دفعتني يومًا إلى الماء، لتعلمني السباحة... بينما كانت، في الحقيقة، تعلمني الحياة.
البحر كان هادئًا حين مات أبي...
وفي أول مرة عدت فيها إلى البحر بعد رحيله.. شعرت أن الموج لا يعرفني.. كما لو كان يرد عليّ بالصمت.
وقفت طويلًا عند الصخرة نفسها التي أخذني إليها طفلًا. كان كل شيء في مكانه؛ الصخور، والمد، ورائحة اليود، وصوت الموج... إلا هو.
أما البحر، فكان صامتًا على غير عادته. لم أشعر أنه يستقبلني كما كان يفعل، بل كأنه كان ينتظر أن أقول شيئًا عجزت عنه.
لماذا؟
بعد رحيل أبي، نزلت إلى البحر لأول مرة بمفردي. هبطت إلى الماء وحدي، أحمل الرمح الحديدي الذي أهداني إياه أبي قبل سنوات، وكأنني أحمل قطعةً من يده. وما إن غصت بين الصخور حتى رأيت أخطبوطًا كبيرًا يختبئ في شق ضيق، أستطيع اصطياده بسهولة. اقتربت منه في هدوء، كما علمني أبي، حتى صار في مرمى النصل.
كانت ضربة واحدة تكفي...
تقدمت يدي وحدها، كما كانت تفعل عشرات المرات من قبل. لكن شيئًا خفيًا أثقلها هذه المرة.. ترددت. تذكرت ضحكة ابي. شعرت بثقل النصل فجأة. لم أدرِ أكان الماء قد ازداد كثافة، أم أن يد أبي امتدت من سنواتها البعيدة لتستقر فوق معصمي. ظل الأخطبوط ساكنًا، وظللت أحدق إليه... حتى شعرت أن الضربة لن تصيب قلبه وحده.
كانت ضربة واحدة تكفي... لكنني أنزلت النصل.
شعرت أن الضربة ليست في الأخطبوط بل في شيء داخلي.
وتركت الماء يحملني بعيدًا عنه.. وتركته يرحل.
ظل الأخطبوط يبتعد بين الصخور، بينما بقيت أنا في مكاني، كأن الذي تحرر لم يكن هو وحده.
 لم يكن أبي يعلمني كيف أصيد، بل كيف أعرف متى أمسك، ومتى أترك. فما ورثته عنه لم يكن مهارة الصيد، بل الحكمة.
رحل أبي... وبقي البحر.
غير أن البحر لم يعد كما كان؛ أخذ صوته معه، وترك للأمواج أن تردد ما عجز هو عن قوله.
وأدرك الآن لماذا كان يبتسم كلما سبقته إلى الأخطبوط.
لم يكن يفرح لأنني أصبحت صيادًا أمهر منه...
كان يفرح لأنه رأى جزءًا منه يواصل الحياة بعده.
وربما لهذا السبب، كلما وقفت أمام البحر، لا أشعر أنني جئت إلى شاطئ أعرفه، بل إلى زمنٍ ما زال ينتظرني.
ومنذ ذلك اليوم، أيقنت أن للبحر طريقين حقًا؛ أحدهما ينتهي عند الشاطئ، والآخر لا ينتهي أبدًا... لأنه يمضي إلى الذين أحببناهم، ويعيدهم إلينا كلما ظننا أنهم ابتعدوا.
فالطريق الذي يصل إلى الشاطئ هو أقصر الطريقين...
أما الطريق الذي يصل إلى أبي...
فما زلت أسير فيه.